كارل بروكلمان
3
تاريخ الأدب العربي
غير أنه لم يعدم الأمر بالطبع محاولات ساذجة للعناية بالقوالب القديمة ، مع تغطية المضمون الخاوي بثوب مفتعل من الصنعة اللغوية . وقد دخلت في شعر الصنعة أشكال متحررة من الشعر العامي ، كالموشح في إسبانيا ( إرشاد الأريب لياقوت 6 : 191 س 13 ) . وهكذا كان كل من « الدوبيت » في فارس . وقالب « كان وكان » في العراق ، في موطنه ( الأقصى القريب في علم البيان لمحمد بن محمد التنوخي - القاهرة 1327 ه ص 40 س 13 ) . وفي المشرق كانوا يفضلون القصائد « المزدوجة » . ومن المشهور في ذلك الأرجوزة التي جعلت قافية كل أربعة أبيات منها واحدة ، والتي نظمها مدرك ابن علي الشيباني ببغداد ، في معشوقه الغلام الرومي ( إرشاد الأريب 7 / 153 - 158 ) . وخمسها صفى الدين الحلى في تزيين الأسواق لداود الأنطاكي القاهرة 1319 ه . وقد استخدم الحسين بن محمد أبو الفرج النحوي المعروف بالمستور ( المتوفى سنة 392 ه / 1002 م ) في مزدوجة كهذه بعض صيغ القسم المسيحية ( بمريم وبطرس وغيرهما ) ، ومن الجلى أنه يقلد بهذا أسلوب الشعر العامي المسيحي ( إرشاد الأريب لياقوت 4 / 95 - 96 وتاريخ دمشق لابن عساكر 4 / 359 ) الذي يعتمد بدوره - فيما يبدو - على الشعر الفنى للكنيسة السريانية . وقد نأت صنعة الكلام عن الأشكال المقيدة كذلك . فنشأت المقامة عن بلاغة الأدباء الجوالين ، ووجدت في الحريري بطلها الذي لا ينازع . وجمعت المادة الوفيرة ، التي استقتها الفترة القديمة في معظم الأحوال من مصادر أجنبية ، في مجاميع ضخمة ، وتعاورتها مختلف أساليب الصياغة من آن لآخر . وقد أعطت الحياة السياسية المتقلبة كتابة التاريخ مادة غنية لكتابة الموضوعات المتخصصة ، غير أن عدوى الصنعة المتكلفة قد انتقلت من